التخطي إلى المحتوى

على الرغم من أن يوسف الصديق كان أحد قادة ثورة 23 يوليو المستبعدين وبعد كل الظلم الذي وقع عليه  بداية من المعتقل وصولا لتحديد الإقامة؛ إلا أنه تدخل بعد حدوث النكسة ووخرج ليقول كلمته للتاريخ وذهب لمنزل الرئيس جمال عبد الناصر ليطلب منه  العدول عن قرار التنحي.

 كان هذا أحد مواقف يوسف صديق منقذ ثورة يوليو.. وفي السطور القادمة تروي الكاتبة والباحثة والأكاديمة منى مالك لـ«الدستور» موقف صديق من النكسة ومن عبد الناصر والصعوبات التي واجهتها في تقديم كتاب موثق عن حياة يوسف صديق، والذي يحمل اسم «يوسف صديق ودوره في ثورة 23 يوليو»، وهو أيضاً كان موضوع رسالة الماجستير التي أعدتها الباحثة والأكاديمية منى مالك، لتتحصل بها على درجة الماجستير. 

 

كان يوسف صديق من ثوار يوليو الذين استبعدوا بعد ذلك ولكنه شاهد نكسة 67.. ماذا كان موقفه؟

كان واقع هزيمة ٦٧ مثل الصاعقة على يوسف صديق مثل كل مصري وطني حر، وفي تلك الأثناء باتت الأسئلة ترتفع: لماذا لم تقرر القيادة التعبئة العامة؟ ولماذا كان عدد المجندين بهذه القلة، وألقى الرئيس جمال عبد الناصر عصب الهزيمة خطبته الشهيرة في الإذاعة والتلفزيون واستمعت لها الأمة وأعلن قراره بالتنحي وتسليم جميع سلطاته لنائب رئيس الجمهورية استنادًا للدرستور، وفي المساء بدأت سيول بشرية تتجه نحو منزل الرئيس مطالبين بسحب استقالته وبقائه في منصبه كرئيس لمصر، وقامت الحكومات العربية بإرسال برقيات تطالبه بالعدول عن قراره، وأذاع زكريا محي الدين بيان على موجات الراديو تطالب بذلك أيضا.

 

 وبالرغم من وجود خلافات سياسية بين اللواء يوسف صديق والرئيس جمال عبد الناصر؛ إلا أن يوسف كان يكن له كل الحب والاحترام والتقدير، حيث إنها كانت اختلافات في وجهات النظر السياسية وطرق تطبيقها، لذلك ذهب يوسف صديق ليساند عبد الناصر في تلك اللحظات العصيبة، لأن في هذه اللحظات على الشعب المصري كله أن يتكاتف.

وعندما ذهب اللواء يوسف  صديق إلى الرئيس عبد الناصر في منزله بمنشية البكري قال له: “لقد خسرنا معركة ولكننا لم نخسر الحرب، فلننظم صفوفنا لنواجهه العدو الذي يهدف إلى هزيمة نظامنا السياسي”.

ووصف فتحي رضوان هذه اللحظة بأن يوسف صديق ظل جالسا معه في انتظار عدول الرئيس عن قراره، وظل يحث أعضاء السكرتارية على أن يعلنوا القرار بالعدول عن قرار التنحي، و لم  يذهب من منزل عبد الناصر إلا عندما  عدل عن قراره وتم الإعلان عن نبأ سحب القرار بالتنحي ،وذكر قائلا: “كان ذلك آخر يوم رأيت فيه هذا البطل العظيم”.

 

هناك جانب لايعرفه الكثير عن يوسف صديق قبل الثورة وبعدها  هو الكاتب والأديب والمبدع ذو الميول الاشتراكية.. حدثيا عن ذلك؟

كان يوسف صديق شاعرًا وإديباً وله ديوان بعنوان “ضعوا الأقلام” وكان بستخدم الشعر في خطبه ومحاضراته عندما تم تعيينه مدرسا بالكلية الحربية عام ١٩٣٧، حيث إنه كان يدرس للضباط مادة التاريخ العسكري مما جعلهم في الكلية ينتظرون موعد محاضرة التاريخ العسكري، لأنه كان يشرحها وكأنه يقص قصة تاريخية وكأنه يعيش الأحداث التاريخية من لباقته وطريقة عرضه للفترة التاريخية التي يرويها وذلك بشهاده الضباط الذين تتلمذوا على يديه.

وكان له مقالات عن الاشتراكية في الإسلام  مفادها أن الاشتراكية ليست ضد الإسلام.. كما كتب كتاب بعنوان “الإسلام والمسلمون في الاتحاد السوفيتي”.

وكان له انطباع عن الماركسية وقال إن الشيوعية ليس لها وجود في عالمنا الحاضر وإنما هي نظام اجتماعي واقتصادي سوف تتمخض عنه الاشتراكية كما تنبأ ماركس بذلك، وأنه كان يرى أن الاشتراكية العلمية الماركسية نظرية قابلة للتطبيق وإذ كانت بعض البلاد طبقتها بصورة لا يرضى عنها البعض، ونظر إلى الشيوعين أنهم ينكرون الله بأقوالهم لكنهم يبعدونه بأفعالهم، قائلا: “هم قوم يؤمنون بالإنسان والعلم ويقدسون الحق والعدل والسلام وهذه كلها سمات المؤمنين” وهذا ما يحسنا عليه ديننا الإسلامي فقد كان ينظر لكل الأمور بعمق وتفكير وتدبر. 

 

ماهي الصعوبات التي واجهتك في الاشتغال على ثورة يوليو وشخصيات الثورة وخصوصا يوسف الصديق؟

طبيعة البحث العلمي أنه تتخلله بعض الصعوبات تختلف حسب طبيعة الدراسة ومصادرها ، وبالنسبة لموضوع رسالتي عن حياة يوسف الصديق فتتمثل أولى الصعوبات التي واجهتني أثناء الدراسة أنه لم يتم الإفراج عن وثائق ومصادر ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ بالرغم من مرور أكثر من ستين عاما، واجتهدت قدر استطاعتي في استخراج المعلومات من خلال بعض الوثائق الملحقة ببعض الكتب والمراجع، فضلاً عن المذكرات التي تم نشرها في الصحف المعاصرة، وكانت المعلومات شحيحة عن يوسف صديق وكنت أبحث عنه بين سطور مذكرات الضباط الأحرار، وقمت بتناول روايات القادة والضباط الذين شاركوا وتواجدوا في مسرح الأحداث ليلة ثورة ٢٣ يوليو وأسهموا بشكل أو بآخر في اقتحام مبنى رئاسة الجيش، وتضاربت بعض الروايات وكان هناك غموض يحيط ببعض النقاط لعدم صدق بعض الروايات أو لقيام بعض الأشخاص بنسب أعمال بطولية لم يقوموا بها أو للانتقاص من الأعمال البطولية للبعض الآخر وحاولت الوصول إلى الحقيقة من خلال الدراسة التاريخية.

 

ولم اكتف بذلك؛ بل سعيت للإطلاع على المذكرات الأصلية التي خطها صاحب الدراسة بيده أي النسخة الأصلية، وقمت بإجراء بعض المقابلات مع أفراد أسرة يوسف صديق، ومع اللواء عبدالمجيد شديد (محافظ الدقهلية سابقا) وهو لم يكن فقط شاهد عيان الثورة بل كان مشاركا في صنع أحداثها، حيث إنه أحد الضباط الأحرار وكان تحت قيادة يوسف صديق ليلة اقتحام مبنى رئاسة الجيش ٢٣ يوليو ١٩٥٢ وكان وقتها برتبه يوزباشي، كما قابلت العقيد محمد نجل اللواء وحيد رمضان جودة الذي نجح في ضم يوسف صديق إلى تنظيم الضباط الأحرار، وقمت بزيارة المتحف الحربي بالقلعة حيث توجد قاعة ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ ويوجد بها لوحة تجسد لحظه قيام يوسف صديق بالقبض على رئيس أركان الجيش الفريق حسين فريد، والخطة التي رسمها يوسف صديق بشكل كروكي قبيل لحظه الاقتحام وهو في طريقه لمبنى قيادة الجيش.