التخطي إلى المحتوى

صدر حديثَا عن سلسلة عالم المعرفة بالكويت كتاب “إدوارد سعيد.. أماكن الفكر” من تأليف تمثي برنن ومن ترجمة محمد عصفور وجاء الكتاب في 530 صفحة من القطع المتوسط.

جاء الكتاب في 12 فصلاً بعناوين منها “الشرنقة، عدم الاستقرار، التلمذة في مدار الصفوة، العميل السري، قبل أوسلو، عقل الأغيار من سايغون إلى فلسطين، في مواجهة الآلهة الزائفة إلى جانب ملحق بالصور.

جاءت مقدمة الكتاب للمترجم محمد شاهين الذي أشار فيها علاقة الصداقة التي ربطت بإدوارد سعيد وأمنيات الناقد البريطاني باتريك بارندر بأن يجد إدوارد سعيد من يكتب سيرة له تثري السيرة الذاتية التي قدمها إدوارد سعيد “خارج المكان” وتزيدها جمالاً.

تلك السيرة “خارج المكان” التى وصفها باتريك بارندر بأنها السيرة الذاتية التي كتبها إدوارد سعيد هى خير سيرة ذاتية قرأها في حياته”.

ولفت شاهين إلى أن أمر تلك السيرة يبدو أنه كان هاجسا لدى تمثي برنن الذي طلع علينا بهذه السيرة: “أماكن الفكر سيرة حياة ثقافية لإدوارد سعيد، وبهذا تكون الأسطورة قد اكتست حلتها البهية، وتحقق الآمال المنشودة”.

يعرفنا شاهين عبر مقدمته ب تمثيي برنن فيقول: “طالب مقرب إلى أستاذه إدوارد سعيد بدأ مسيرته مع شيخه منذ العام 1980،  حفظ السيرة بتفاصيلها وحفظ الجميل بكل إخلاص، وحفظ درسه مع شيخه عن شيخه كتب كثيرا عن أستاذه قبل السيرة الحالية .

يتابع شاهين تفاصيل مشوار تمثي مع كتابة سيرة إدوارد سعيد فيشير مثلا إلى زيارة تمثي إلى الأماكن التي يتردد عليها واقام فيها إدوارد سعيد بالقاهرة، خصوصًا تلك الأماكن التي كان يقيم فيها مع أسرة آل سعيد، كذلك لم يدخر جهدا بالاتصال بمن كانت لهم معرفة بالراحل”.

يصف شاهين السيرة بأنه أقرب إلى رواية توثيقية أو فيلم وثائقي حصل فيه المخرج سلفا على أسرار شخصية الفيلم وبلغة كونراد؛ الراوي الذي عاش إدوارد سعيد معجبا به طوال حياته، تجعلنا هذه السيرة نتصور ثمثي شريك سري؛ عنوان اشهر القصص القصيرة التي كتبها كونراد.

الجارديان تجيب: لماذا لم يكتب الرواية؟

ويلفت شاهين إلى السبب الذي جعل  سعيد يقصي كتابة الرواية من أجندته، على حسب تقرير الجارديان هو خشية سعيد من أن تعجز الرواية عن الاضطلاع بالدور الإيجابي مقارنة بالفكر النقدي في مواجهة الواقع .

 ويؤكد شاهين إلى سعيد ذكر له في اغسطس 1983 أنه ينوي الانسحاب من هذا العالم ليكتب رواية . تصريحه جاء مباشرة بعد غزو إسرائيل للبنان ، ذلك الحد الذي لابد أنه ترك في نفسه أثرا سيئا لأسباب معروفة في مقدمتها حالة الحصار التي كانت والدته تعيشها في أثناء الحرب ، وصعوبة الحصول على فيزا تؤهلها للانضمام إلى أنها وأسرتها في نيويورك .

 يلفت شاهين في مقدمته إلى إشارة تمثل برنن إلى أن أمريكا حضرت إلى إدوارد سعيد وليس هو الذي حضر إليها ، وتأتي تجليات هذه الملاحظة من خلال حضور المؤسسات الأمريكية على اختلافها إلى منصة إدوارد سعيد الأكاديمية والثقافية والسياسية والاجتماعية لتكتسب أبعاد تتحدى محليتها.

ختم محمد شاهين مقدمته بملاحظة تشير إلى المعنى الكامن في وصف سيرة سعيد ب  اماكن الفكر.. حياة لإدوارد سعيد ،  فقد أختار ألا يدفن في فلسطين ، فالعواطف هناك تستمر في تهديد وجوده داخل قبره؛ إذا  اقترح اقرباء مريم أن يدفن في مقبرة صغيرة لجماعة الكوير مغطاة بالأعشاب وسرب من الأشجار كتب عليه اسمه بالعربية والإنجليزية ، ومع أن  قبره يطل على فلسطين من ناحية الجنوب من خلال سلسلة جبال ترسو فوق بيروت حيث دور الشوير التي كان يطل على فلسطين من خلالها أيامه شبابه ، حتى هذا المكان الذي يرقد فيه مرتاحا ليس هو مكانه تماما  مكانه هو مايفسره لنا معنى كلما العنوان الذي وضعه تمثي .

 سعيد والأدب والكتب العظيمة 

يؤكد تيمثي أن سعيد يرى الأدب في فكره ليس مجرد مهنة يحبها ، بل هو الاساس الذي تقوم عليه افكاره السياسية والسر الكامن وراء حب الناس له ,

واستلهم مصادر غير معتادة تشمل النصوص الموسيقية والمخطوطات العربية القروسطية، مثلما استلهم كتابات المحللين الصحافيين البريطانيين والشعراء الباكستانيين الاشتراكيين، فتمكن من وضع الإنسانيات في مركز الحياة العامة ، وعمل على إحياء الاهتمام “بالكتب العظيمة  بالحماس الذي يأتي مع الحرب والثورة المضادة للاستعمار وكان ذلك في رأيه هو إسهامه الأكبر، أكثر مما تمكن من تحقيقه للقضية الفلسطينية ، وليس هنا كل في القرن العشرين من تقدم بحجة أقوى مما قدمه هو عن ان الخلافات على معنى النصوص الدنيوية ، ليس الدينية فقط ، تؤثر في مصائر الحقوق والأوطان .

إدوارد سعيد وسوزان سونتاغ إسرائيل 

يقول تمثي كان سعيد يعاني من نقاط الضعف على نحو يثير الاستغراب أحيانا ففى مناسبة غداء جمعتني وإياه الروائي إلياس خوري “كان هذان المسيحيين العربيان يحبان ان يمزح بالقول أنهما مسلمان شرفيان ” عبر عن شعور بالألم وهو يروي كيف أن سونتاغ قد حنثت بوعدها أن تشاركه في مشروع يعملان عليه  في فرنسا بعد أن صلت على جائزة كبيرة من إسرائيل “كان هو ونادين غودر مر قد رجوها كل على حده ان تعثر عن عدم قبل الجائزة ولكنهما فشلا في مسعاهما “. وبما انه كان يتساءل عما كان عليه أن يفعل فإنني تسرعت واقترحت أن يغسل يديه منها علنا، فابتسم ابتسامة خفيفة وحدق في عيني وقال “ألم تدرك أنها تعبر عن استهانته بي؟”

اعتراف أعدائه

ولفت الكاتب إلى اعتراف أعداؤه أنفسهم من أمثال جوشو مورافيك بقدرة سعيد على البقاء في عالم الأفكار ، وعلى استمراريته بعد التغيرات التي تحدث مع تعاقب الأجيال ففى كتاب “تحويل داود إلى جالوت : كيف تحول العالم ضد إسرائيل ” ذكر المؤلف أن أكثر من اربعين كتابا كتبت عنه وأن الجامعات في جميع أنحاء العالم تدرس مواد مخصصة لكتاباته ، لكن ليس من بينها كتاب يرسم صورة كامل لشخصيته العربية والأمريكية وهم تتحدان ، أو يفسر تداخل كتابات سعيد عن فلسطين والموسيقى ، ومفكري المجتمع، والأدب، ووسائل الإعلام ، كل مجالاتها الفكرية مهمة ، لاسيما عندما تربط معا ، وذلك على رغم الحقيقة  الثائلة أن كثير من قرائه يعرفون بعضها ويجهلون البقية .

يؤكد الكتاب أن شخصية ادوارد سعيد كواحد من أهم المثقفين العرب، بل وعلى مستوى العالم في القرن العشرين. إدوارد سعيد – مقدسي الاصل ومصري النشاة- كان أستاذاً للأدب المقارن بجامعة كولومبيا الأمريكية الشهيرة. أكثر من 80 أستاذاً ممن يعملون بجامعة كولومبيا حصلوا على جوائز نوبل على مر تاريخها (منهم 9 يعملون بها حالياً)!!  

قال عنه رئيس جامعة كولومبيا في حفل تكريمه: حينما أذهب لأي مكان قائلاً أنا رئيس جامعة كولومبيا، يقولون لي انت رئيس الجامعة التي بها إدوارد سعيد!! لقد صارت الجامعة تُعرف به، ولا يُعرف هو بها … وإنه شرف لهذه الجامعة!!! (ربما لو كان ذلك عندنا لقام رئيس الجامعة بتحويله للتحقيق فوراً)!!

لم يكن إدوارد سعيد مجرد أستاذ جامعي، فقد كان مؤلفاً وصحفياً وناقداً وناشطاً وسياسياً، بل وكان يقدم برامج في تلفزيون BBC البريطاني!! وكان إدوارد سعيد يكتب ويتكلم بالعربية والإنجليزية بكفاءة مذهلة وترجمت كتاباته إلى أكثر من 26 لغة وهو من أسس علم ما يسمى “ما بعد الكولونيالية” (الاستعمار).